فخر الدين الرازي
221
تفسير الرازي
تكونون ، والفاء عاطفة ولا يجوز أن يجعل ذلك جواب التمني ، ولو أراد ذلك على تأويل إذا كفروا استووا لكان نصبا ، ومثله قوله : * ( ودوا لو تدهن فيدهنون ) * ( القلم : 9 ) ولو قيل : * ( فيدهنوا ) * على الجواب لكان ذلك جائزا في الاعراب ، ومثله : * ( ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ) * ( النساء : 102 ) ومعنى قوله : * ( فتكونون سواء ) * أي في الكفر ، والمراد فتكونون أنتم وهم سواء الا أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لوضوح المعنى بسبب تقدم ذكرهم ، واعلم أنه تعالى لما شرح للمؤمنين كفرهم وشدة غلوهم في ذلك الكفر ، فبعد ذلك شرح للمؤمنين كيفية المخالطة معهم فقال : * ( فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة والالحاد ، وهذا متأكد بعموم قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) * والسبب فيه أن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين ، لأن ذلك هو الامر الذي به يتقرب إلى الله تعالى ، ويتوسل به إلى طلب السعادة في الآخرة ، وإذا كان كذلك كانت العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة ، وإذا كان كذلك امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه والله أعلم . المسألة الثانية : قوله : * ( فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ) * قال أبو بكر الرازي : التقدير حتى يسلموا ويهاجروا ، لأن الهجرة في سبيل الله لا تكون إلا بعد الاسلام ، فقد دلت الآية على إيجاب الهجرة بعد الاسلام ، وانهم وإن أسلموا لم يكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة ، ونظيره قوله : * ( مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ) * . واعلم أن هذا التكليف إنما كان لازما حال ما كانت الهجرة مفروضة قال صلى الله عليه وسلم : " أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك " فكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة ، ثم نسخ فرض الهجرة . عن طاوس عن ابن عباس قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " وروي عن الحسن أن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الاسلام قائما . المسألة الثالثة : اعلم أن الهجرة تارة تحصل بالانتقال من دار الكفر إلى دار الايمان ، وأخرى تحصل بالانتقال عن أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين ، قال صلى الله عليه وسلم : " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " وقال المحققون : الهجرة في سبيل الله عبارة عن الهجرة عن ترك مأموراته